محمد بن جرير الطبري

375

جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )

من مثل هذا القرآن ، فهل للقرآن من مثل فيقال : ائتوا بسورة من مثله ؟ قيل : إنه لم يعنِ به : ائتُوا بسورة من مثله في التأليف والمعاني التي باينَ بها سائرَ الكلام غيرَه ، وإنما عنى : ائتوا بسورة من مثله في البيان ، لأنّ القرآن أنزله الله بلسان عربيّ ، فكلام العرب لا شك له مثلٌ في معنى العربية . فأمّا في المعنى الذي باين به القرآن سائرَ كلام المخلوقين ، فلا مثلَ له من ذلك الوجه ولا نظيرَ ولا شبيه . وإنما احتجّ الله جلّ ثناؤه عليهم لنبيه صلى الله عليه وسلم بما احتج به لهُ عليهم من القرآن ( 1 ) ، إذْ ظهر عجز القوم عن أن يأتوا بسورة من مثله في البيان ، إذْ كان القرآن بيانًا مثلَ بيانهم ، وكلامًا نزل بلسانهم ، فقال لهم جلّ ثناؤه : وإن كنتم في رَيب من أنّ ما أنزلتُ على عَبدي من القرآن من عندي ، فأتوا بسورة من كلامكم الذي هو مثلُه في العربية ، إذْ كنتم عربًا ، وهو بيانٌ نظيرُ بيانكم ، وكلامٌ شبيهُ كلامِكم . فلم يكلفهم جل ثناؤه أن يأتوا بسورة من غير اللسان الذي هو نظيرُ اللسان الذي نزل به القرآن ، فيقدِرُوا أن يقولُوا : كلفتنا ما لو أحسنَّاه أتينا به ، وإنا لا نقدر على الإتيان به لأنا لسنا من أهل اللسان الذي كلفتنا الإتيان به ، فليس لك علينا بهذا حجة ( 2 ) . لأنا - وإن عَجزنا عن أن نأتي بمثله من غير ألسنتنا لأنّا لسنا من أهله ( 3 ) - ففي الناس خلقٌ كثير من غير أهل لساننا يقدرُ على أن يأتيَ بمثله من اللسان الذي كلفتنا الإتيان به . ولكنه جل ثناؤه قال لهم : ائتوا بسورة مثله ، لأن مثله من الألسن ألسنكم ( 4 ) ، وأنتم - إن كان محمدٌ اختلقه وافتراه ، إذا اجتمعتم وتظاهرتُم على الإتيان بمثل سورة منه من لسانكم وبيانكم -

--> ( 1 ) في المطبوعة : " بما احتج له عليهم " ، أسقط " به " . ( 2 ) في المطبوعة : " حجة بهذا " على التأخير . ( 3 ) في المطبوعة : " لسنا بأهله " . ( 4 ) في المطبوعة : " ألسنتكم " .